عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

363

اللباب في علوم الكتاب

الأزواج ، وما حال المرأة عند غيبة الزّوج فقد وصفها اللّه بقوله : قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ، واعلم أنّ الغيب ، خلاف الشّهادة ، والمعنى : كونهنّ حافظات بموجب الغيب ، وهو أن تحفظ نفسها عن الزّنا ؛ لئلا يلحق الزّوج الغائب عار الزّنا ، ويلحق به الولد المتكون من نطفة غيره ، وتحفظ ماله لئلا يضيع « 1 » ، وتحفظ منزله عمّا لا ينبغي ، قال عليه السّلام : « خير النّساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك ، وإن أمرتها أطاعتك ، وإن غبت عنها حفظتك في مالك « 2 » ونفسها » وتلا هذه الآية . قوله : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصّالحات فقال : « وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ » ، والخوف عبارة عن حالة تحصل في القلب ، عند حدوث أمر مكروه في المستقبل . قال الشّافعيّ - رضي اللّه عنه - : دلالة النّشوز قد تكون قولا ، وقد تكون فعلا ، فالقول مثل أن تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ، ثم تغيّرت ، والفعل إن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها ، أو تسارع إلى أمره « 3 » وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها ، ثم [ إنها ] « 4 » تغيرت عن كل ذلك ، فهذه أمارات دالة على النشوز ، فحينئذ ظنّ نشوزها ، فهذه المقدمات توجب خوف النّشوز ، وأمّا النشوز فهو معصية « 5 » الزّوج ، ومخالفته ، وأصله من قولهم : نشز الشّيء إذا ارتفع ، ومنه يقال للأرض المرتفعة : « نشز » ، يقال : نشز الرّجل ينشز [ وينشز ] « 6 » إذا كان قاعدا فنهض قائما ، ومنه قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ [ المجادلة : 11 ] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور اللّه تعالى . وقال أبو منصور اللّغويّ : « النّشوز كراهية كل واحد من الزّوجين صاحبه ، يقال : نشزت تنشز ، فهي ناشز بغير هاء ، وهي السّيّئة العشرة » . وقال ابن دريد : « نشزت المرأة ، ونشست ، ونشصت بمعنى واحد » . قوله : « فَعِظُوهُنَّ » ، أي : بالتخويف « 7 » من اللّه تعالى ، فيقال : اتّقي اللّه فإنّ عليك حقّا لي ، وارجعي عمّا أنت عليه ، واعلمي أنّ طاعتي فرض عليك « 8 » ، فإن أصرّت على النّشوز ، فيهجرها في المضجع .

--> ( 1 ) في ب : عن الضياع . ( 2 ) في أ : مالها . ( 3 ) في أ : إليه . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : مخالفة . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في أ : بالتخفيف . ( 8 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 300 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 277 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم .